صورنا القديمة والجديدة.. ما بين اقتناص لحظات الفرح وتوثيق الحزن

تم نشره في الأربعاء 16 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً
  • توثيق اللحظات المؤلمة تعبر عن حالة تشاؤمية - (ارشيفية)

تغريد السعايدة

عمان- تقلب الثلاثينية عهود أحمد، مجموعة من الصور القديمة لديها والتي تحتفظ بها في ألبوم صور صغير، ولتبتسم تارة، وتحزن تارةً أخرى على اللحظات الجميلة التي تحتفظ بها في درج الصور، ولكن ما لفت نظرها عندما قارنت الصور القديمة بالصور الحالية التي يحتفظ بها أغلب الناس، لاحظت أن الصور الحالية باتت توثق للحظات الصعبة والقاسية كما توثق للحظات الفرح والسعادة.
وتوضح عهود، بقولها "كنا نتصيد في صورنا اللحظات الجميلة وأكثرها سعادة والتي تجمعنا مع الآخرين في مناسبات جميلة مثل الأعراس والرحلات والتجمعات العائلية أفضل اللقطات للأطفال، إلا أنها الآن أصبحت مختلفة تماماً مع وجود الهواتف الذكية التي تفتح المجال لكل شخص بأن يوثق ما يشاء من اللحظات، حتى أصبح الكثيرون منهم يتسابقون لالتقاط لحظات الألم والموت والمقابر أحياناً".
وبات منتشرا في الآونة الأخيرة ظاهرة الأشخاص الذين يلتقطون لحظات الموت أو المرض والألم لوالديهم على سبيل المثال ويحتفظون بها في ملفات الصور في هواتفهم؛ إذ تعتقد عهود أن هذا من الأمور غير اللائقة "لا للشخص في الصورة ولا لمصوره نفسه"، على حد تعبيرها، فما الفائدة من أن يتذكر الشخص المصور تلك اللحظات القاسية التي مرّ بها، لماذا يضطر إلى أن يحتفظ بصورة "حزينة لها وقع حزين عليه" فيما أنه بالإمكان أن يحتفظ بصورة جميلة للآخرين.
وفي حديثها عن الصور، تعتقد أحلام الحناوي، أن الصور عبارة عن ذكريات ليست مجردة بالنسبة إليها، فالصور تحمل في داخلها أشخاصا وأماكن وأصواتا وروائح اختفت ولن تعود مرة أخرى، لذلك هي لا ترغب كثيراً بتوثيق الصور والحالات سواء لها أو لغيرها، لأنها في النهاية مجرد ذكريات "وأنا أكره الذكريات".
إلا أن أحلام، في جميع الأحوال، لا تحبذ أن يكون هناك اقتناص للحظات الحزينة وتجميعها في صور، وفي حال أراد الآخرون الاحتفاظ بها على الأقل أن تكون صورا تحمل في ثناياها لحظة جميلة تدفعهم للفرح والابتسام وليس للحزن والتوتر والبكاء أحياناً.
هذا النوع من الصور جعل من الذكريات في جعبة الشخص نوعية مختلفة لا يوجد فيها حميمية واشتياق، بل إنها تعد مخزونا "سلبيا" لديه، على عكس الصور القديمة التي تضم أغلب أفراد العائلة ولا تكون إلا لمناسبات جميلة وذكريات رائعة ولأشخاص يتصورون وهم في أفضل حالاتهم وأجمل الأوقات العائلية السعيدة.
أما ملاك ياسين، فهي ترى أن كل شيء في القديم كان له بريقه ورونقه الخاص، وفيه من سمات البساطة والعفوية للأفراد والجماعات، وهذه الملامح كانت تنعكس على الصور التي نلتقطها للحظات حياتنا، وتوثيقها إلى الآن، ولا يوجد فيها أي نوع من التصنع.
كما ترى ياسين أن أحد الأسباب هو الاختلاف في عملية التصوير؛ إذ لم تكن في السابق متاحة بهذا الشكل، وكان الفرد يحتاج إلى الاستعداد للصور أو الذهاب إلى استوديو مخصص للتصوير، أو تجهيز كاميرا، وهذا يحتاج إلى وقت وإلى اقتصار عملية التصوير على المناسبات السعيدة، بينما الآن، الهاتف المحمول متاح ويمكن تصوير كل شيء وفي اللحظة نفسها، وأصبح الكل شركاء في اختيار لحظة التصوير بمعنى أن الشخص فقد حقه بالتفرد في قرار التصوير، وكانت مناسبات الفرح واللحظات السعيدة تطغى على مفردات الحياة.
وتعتقد ملاك أن السبب في ذلك هو أن هذه التصرفات والتحركات السلبية أصبحت تجد صدى وتقبلا من الآخر، وخصوصا في انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ونشر الصور بهدف كسب أكبر جمهور وحصد المتابعة والمشاهدات، وتقول "بعض الناس يرون أن تصوير المريض أو مصابي الحوادث أمر يوثق اللحظة ويعودون فيه للذكريات، إلا أنها "شخصياً"، ضد مثل هذه الصور وعلينا أن نتقصد أن تكون صورنا جميلة فيها حياة وصدق من داخلنا، وأن تكون ذكرياتنا تحمل روح المحبة والسعادة والذكريات الجميلة حتى لو غادر أصحابها وتركونا، فالذكرى والصورة الجميلة تسكن القلب والعقل.
أخصائي علم النفس التربوي، الدكتور موسى مطارنة، يرى أن هذا الاختلاف في توثيق اللحظات واقتناصها من قبل الأفراد ما هو إلا إسقاطات للتغير الذي طال العالم بأجمعه، وهي لعدم فهم الحياة بمعناها الصحيح، وتعبر عن حالة تشاؤمية لدى الشخص الذي يقوم بهذا التصرف، لهذا يعمد الشخص إلى تصوير لحظات الألم والحزن والمرض والموت والمشاجرات، ويتناسى أن يضع صور الفرح والسعادة في مقدمة مخزونة من صوره، حتى تكون ذكرى جميلة ويتذكر بها الأشخاص بأجمل حالاتهم وليس بحالة لا يرضاها حتى الشخص الذي تم تصويره.
ويطلب مطارنة من الأشخاص الذين أصبح كل منهم قادرا على التصوير والتوثيق، أن يكون لديهم جانب إيجابي يتطلعون على العالم من خلاله، والذي سينعكس على حياتهم ومن ضمنها توثيق الصور واللحظات، ما يعكس كذلك الراحة النفسية للفرد، والصفاء الذهني لديه، ويشير إلى أن الناس في السابق كانت تجمعهم اللحظات السعيدة والمناسبات على اختلافها، إلا أنهم يسارعون إلى توثيق اللحظات الجميلة لتكون ذكرى جميلة في المستقبل.
كما يشير مطارنة إلى مدى تأثير الصور على الأطفال، لذلك يجب على الأهل أن يكون لديهم مخزون "جميل ومفرح وإيجابي" حتى يشاهده أطفالهم فيما بعد، ويفرحوا به ولا يكون مخزونا سلبيا يؤثر على نفسيتهم فيما بعد، مثل الاحتفاظ بصور الأجداد وهم بأفضل حال وليس وهم في حالات المرض أو على سرير الموت كما يفعل البعض، عدا عن أن هذه الصور المخزنة في الهاتف أو الألبوم تعطي صاحبها دافعا للفرح أو الحزن بحسب الحالة التي تم حفظها.

التعليق