نادر رنتيسي

"كيماوي"

تم نشره في الجمعة 17 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

"سين الاستقبال". سوف ينشط هذا الحرف الرقيق فيما أكتبه الآن في الدفتر الأسود، مستغلاً انشغال زوجتي التي أحضرتْ قرصاً لفيلم "نيكول كيدمان" الثقيل نفسياً "الآخرون". سأقول: لو كنت أعلنتُ عن إصابتي الخبيثة قبل شهرين، فسأخضع اليوم للجرعة الأولى من الدواء الكيماوي. سمعتُ أنه مذاقه حارق. وسألتُ جاداً زميلاً في العمل: ".. أكثر من الجريب فروت"؟!
لكني سأعرفُ من زميل آخر أنّه ليس عصيراً عُشبياً للسُعال الديكي أتناوله بملعقة العسل بعد الطعام المالح.
وستقول زميلة من وراء جهاز الكمبيوتر الأبيض بخبرة نصف التجربة: هو سائلٌ يُحقن في الدم بالوريد.. ثم ستجري لذعة في روحك.. وقلتُ في بالي: ".. أكثر من الجريب فروت"!
لم أعرف مذاقاً أكثر لذعة، فقد كنتُ صبياً أضيفُ ثلاث ملاعق من السكّر الأبيض بلا حذر إلى القهوة والشاي، ولما كبرتُ لم يكبر الصبيّ، فكانت ملامحي تتجعّد قبل أنْ أضطرّ لشرب أدوية أمراض ساذجة، حتى كؤوس المزاج كنتُ أمزجها بالعصائر الحلوة كما تقعل الفتيات في أول الطيش. شربتُ "الجريب فروت" لحرق الدهون، فعلتُ ذلك قبل عشرين عاماً لضبط ترهل الخصر عندما بدأ الزواج يحيلني إلى كائن رخويّ.
سيوضع المصلُ في الوريد، ويبدأ السائل الأصفر بحرق مجرى له في دمي، وسأصابُ في غرفة السفرة بدوار البحر، ويجفُّ حلقي، ويلذعني حتى الطعام الحلو، وأطلبُ من زوجتي كأس عصير "مانجو".. فأتذوق "الجريب فروت"!
في الجرعة الثانية، وربّما الثالثة، سيبدأ تساقط الشّعر، شَعر رأسي الخروبيّ الذي كتبت فيه طالبة الحادي عشر أدبي في خريف عام ثمانية وستين قصيدة مكسورة الوزن، على ورقة مسطرة ملفوفة بحجر صوّان رمته من الشرفة المنخفضة أمام أول خطوة لي إلى الجامعة الأردنية. وسيسقط شعر الحاجبين، لن أبدو غاضباً، ولن أكون رجلاً محتملاً في نداء فيروز الغنائيّ لـ"عاقد الحاجبين"، أيضاً ستسقط شعرات الرموش، وهذا يعني للأسف أن بكائي سيكون سهلاً كأيّ أرملة. وأنفي كذلك سيخلو من الشّعر، وحتماً سأعاني سيلاناً محرجاً أمام الزوّار المتأثرين. نعم إنه "الخبيث" و"العاطل" و"الشرّ" وأنا أصلع كطفل، كعجوز، كأنا وحسب، وهذا أمرٌ طارئ لشهرين كما تعلمون، ثم سينتهي العلاجُ ولن يفرح بذلك سوى حلاّقُ الحيّ!
سأغلق هذه الصفحة منذ الدفتر الأسود، فبعد قليل ستعودُ زوجتي، وستحكي لي عن فارق بسيط من الزمن -عشرون عاماً فقط- وسمنة وسيطة وأعمال بيتية شاقة جعلت خصرها خاسراً في المقارنة التي ستفتعلها مع قوام "نيكول كيدمان". ستراهنني زوجتي أن هذه الأسترالية الخرقاء ستصابُ بالسمنة بعد عشرة أعوام، وستصبح مثل درفة الدولاب. أظنُّ أنّ زوجتي قرأتْ ما جعلها واثقة من نهاية "نيكول" البائسة، على الصفحة الأخيرة من الصحيفة اليومية: "الحكومة الأسترالية تكافح أرقام السمنة التي تظهر ارتفاعاً هائلاً لا يميلُ إلى النزول". سأقبلُ الرّهان وأنا واثقٌ أنّ الأستراليّة الشقراءَ لن تخذلني. وزوجتي ستصاب بقهر شديد على خسارتها بعد عشرة أعوام، وستذكرني حينها بالخير، فلن أكون هناك بالتأكيد ولو طال سينُ الاستقبال سناً رابعاً.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"كيماوي" (لينا حوامدة)

    الجمعة 17 شباط / فبراير 2017.
    ليس من السهل الدخول في حالة هذا المرض نفسيا مع استمرار روح التهكم والإبداع سارية المفعول ...دمت با صديقي مبدعا ساحر الحرف ودامت عليك الصحة
  • »قمة الجمال والألم (هالة)

    الجمعة 17 شباط / فبراير 2017.
    دائما نادر الرنتيسي يتندر بحكايات. كحكواتي عتيق تجدنا نلتف حول حكاياته ولا نعرف هل نصدق أو لا نصدق لشدة السحر.
  • »تناول القرع وفاكهة القشطة (فارس مرعي الوحدات)

    الجمعة 17 شباط / فبراير 2017.
    شفاك الله وعافاك. اضرع الى الله بالدعاء فالدعاء مخ العبادة والدعاء يغير الاقدار. اما دنيويا فيمكنك تناول فاكهة القشطة المعروفة بالجرافيولا والتي تعالج السرطان بدون كيماوي كما ان القرع يشفي من السرطان بمشيئة الله